السيد حيدر الآملي

390

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

الخلق ، وسمّينا الكلّ مظهر أسمائه وصفاته وأفعاله والأعيان والماهيّات والحقائق صورة معلوماته الأزليّة الأوّليّة فلا يكون حينئذ هذا الوجود جاعلا لشيء يتعلّق بذاته وكمالاته لأنّه كان دائما على هذه الصّفة فكيف يصير غير هذا وقلب الحقائق محال خصوصا بالنّسبة إلى الواجب ، والشيء قطّ لا يكون جاعلا لنفسه أصلا ، وكذلك لكمالاته الذّاتيّة وخصوصيّاته الأسمائيّة ، لأنّ الشيء لا يخلو من وجهين إمّا أن يكون واجبا لذاته أو ممكنا لذاته فإن كان واجبا لذاته فكمالاته وخصوصيّاته وجميع ما يترتّب عليها تكون حاصلة له بالذات . . . فيه أصلا ، وإن كان ممكنا فماهيّاته العلميّة وأعيانه المعقولة لا تكون بجعله ولا بجعل غيره ، فإن ذلك من المعلومات الأزليّة الإلهيّة كما تقرّر ، وأمّا المترتب . . . الوجود الخارجي وتوابعه من الكمالات والنقائص فذلك يجوز أن يكون مجعولا للحقّ وليس كلامنا فيه مع أنّه تابع للوجود العلمي ، بل كلامنا في الوجود العلمي الّذي هو من معلوماته الأزليّة والممكن ليس له إلّا الطلب بلسان الحال الوجود الخارجي على حسب قابليّته واستعداده من الفاعل الحقيقي مطابقا للوجود العلمي وهذا هو مطلوبنا من هذا البحث ولهذا قال : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [ سورة إبراهيم : 34 ] . بلسان استعدادكم وقابليّتكم تابعا للوجود العلمي الغير المجعول وعلى هذا التّقدير لا يكون شيء بجعله من ذلك الوجود بل في الوجود الخارجي المذكور ولا يصدق الجعل إلّا عليه أي على الوجود الخارجي فافهم فإنّه ينفعك كثيرا في مواطن كثيرة بالنّسبة إلى هذا الكتاب وحيث إنّ هذا البحث من أعظم أسرار القدر والحقيقة من الضروريّات بالنّسبة إلى هذا المكان فلنشرع فيه بمثال مناسب تقريبا للفهم وتوضيحا للمبحث ونقول : ( الأعيان والماهيّات في علم الحق بمثابة الحروف وماهيّاتها في ذهن الكاتب ) اعلم أنّ مثال الأعيان والماهيّات الممكنة في علم الحقّ تعالى مثال أعيان الحروف وماهيّاتها في ذهن الكاتب مثلا ، فإنّ ثبوتها ليس بجعل الكاتب لأنّ الكاتب ليس له إلّا العلم بوجودها وماهيّاتها أي وجودها العلمي وماهيّاتها الذّهنيّة على ما هي عليها في أنفسها من الأوضاع والأشكال ، ومعلوم أنّ العلم ليس بمؤثّر